إخوان الصفاء
225
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
أشكال الفلك . وعلى هذا المثال والقياس يعمل الصنّاع الحذّاق مصنوعاتهم ، من الأشكال والتماثيل والصور ، مناسبات بعضها لبعض في التركيب والتأليف والهندام ، كلّ ذلك اقتداء بصنعة الباري ، تعالت قدرته ، وتشبّه بحكمته ، كما قيل في حدّ الفلسفة انها هي التشبّه بالإله بحسب الطاقة الإنسانية . فصل في حقيقة نغمات الأفلاك اعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن في اعتبار هذه المقالات التي تقدّم ذكرها في هذه الفصول الدالة على أن أحكم المصنوعات ، وأتقن المركّبات ، وأحسن التأليفات هو ما كان تركيب بنيته على النسبة الأفضل ، وتأليف أجزائه على مثل ذلك دليل وقياس لكل عاقل متفكر معتبر ، على أن تركيب الأفلاك ، وكواكبها ومقادير أجرامها ومقادير الأركان ومولّداتها موضوعة بعضها على بعض على النسبة الأفضل . وهكذا أبعاد هذه الأفلاك وكواكبها وحركاتها متناسبات على النسبة الأفضل . وان لتلك الحركات المتناسبة نغمات متناسبات مطربات متوازيات لذيذات ، كما بيّنّا في حركات أوتار العيدان ونغماتها . فإذا تفكّر ذو اللّبّ واعتبر تبيّن له عند ذلك وعلم بأن لها صانعا حكيما صنعها ، ومركّبا حاذقا ركّبها ، ومؤلفا لطيفا ألّفها ؛ وتيقّن بذلك ، فتزول الشّبهة المموّهة التي دخلت على قلوب كثير من المرتابين ، وترتفع الشكوك ، ويتّضح الحق ؛ ويعلم أيضا ويتبيّن له أن في حركات تلك الأشخاص ونغمات تلك الحركات لذّة وسرورا لأهلها ، مثل ما في نغمات أوتار العيدان لذة وسرور لأهلها في هذا العالم . فعند ذلك تشوّقت نفسه إلى الصعود إلى هناك ، والاستماع لها والنّظر إليها ، كما صعدت نفس هرمس « 1 »
--> ( 1 ) هرمس : رجل ، قيل كان أعلم أهل الدنيا في علم النجوم ، وقيل هو إدريس ، أي أخنوخ ، وهو أول من رسم العلوم .